بساط بسيط وبسطة بطاطس
عن عربات بيع البطاطس في رمضان
لا أعرف لماذا اكتب بهذه الطريقة؛ أحياناً أستحضر شرشبيل والسنافر، وأحياناً سندباد وعلاء الدين وعلي بابا وبطبوط مؤخراً، أعتقد أنها عقدة كتاب كليلة ودمنة الذي قرأته وأنا طفل، حسناً ليكن بسيط هذه المرة
“يمكن أن تجد ‘البطاطس’ تُباع فوق ‘بسطة’، ولكن لا يمكن أبداً أن تجد ‘البسطة’ داخل حبة ‘بطاطس’!”
بهذه المفارقة تبدأ الحكاية، حكاية “الاحتواء” التي تتحول في رمضان إلى ظاهرة تملأ الأرصفة وتُشغل الألسن. فالبسطة ليست مجرد فرشة خشبية، والبطاطس ليست مجرد ثمرة، بل هما المبتدأ والخبر في جملة اجتماعية معقدة، تتأرجح بين الحاجة الحقيقية واستثمار المشاعر.
فلسفة الانبساط: من الأرض إلى الرزق
تبدأ القصة من البساط؛ ذلك النسيج الذي يختصر المسافة بين البائع والأرض، فوقه تُولد البسطة كرمز للعمل المباشر بعيداً عن تعقيدات المكاتب. تطور البساط من مساحة في السوق الى بقشة تحملها النساء وتطرق الأبواب تحت شعار (إن لم تأتي للسوق سيأتي السوق إليك)، ومن ثم تطورت لعربة يمكن نقلها من مكان لآخر، وتتابعت عجلة التنمية وصولاً للدكاكين والمحلات ولكن وفي رمضان تعود المياه إلى مجاريها، تصبح البطاطس هي “البطل” الأوحد؛ سهلة التقطيع، سريعة القلي، ومضمونة الربح. لكن، هل هذا “الانبساط” عفوي دائماً؟
الرمزية الصادمة: “بسيط” بين البقرة والذئب
هنا يبرز السؤال الذي يقلب الطاولة: إذا استدعينا شخصية “بسيط” (ذلك الكائن الذي يتخذ شكل البقرة أو الثور)، فكيف سنراه خلف تلك البسطة؟
هل هو “البقرة” المستسلمة؟ تلك التي تجر محراث الرزق بتعب وفطرة، وتبيع البطاطس لأنها لا تملك غيرها وسيلة للعيش؟ في هذه الحالة، يكون “بسيط” ضحية لواقع اقتصادي، يبيع منتجه بجهد حقيقي لينال رزقه الحلال.
أم هو “الذئب” المتخفي؟ وهنا تكمن الرمزية القاسية. هل يرتدي البعض ثوب “بسيط” (البقرة الهادئة) ليبيع البطاطس بأضعاف سعرها، مستغلاً عواطف الصائمين؟ هل هي تجارة طعام أم “تجارة استعطاف”؟
استثمار الوقت أم استثمار السذاجة؟
يعتقد بعض النقاد أن بسطة البطاطس الرمضانية تحولت إلى “طريقة حديثة للتسول”. البائع هنا لا يستثمر في جودة “البطاطس”، بل يستثمر في “اللقطة”. يضع خلفه كاميرا، ويحول “البساط” إلى مسرح لصناعة المحتوى، بحثاً عن متابعين و”تريند” يحوله من بائع بسيط إلى “مؤثر” مشهور.
في هذا المشهد، يصبح السؤال مشروعاً:
من هو “الغبي” حقاً؟ هل هو “بسيط” الذي يظن أن القلي سيوصله للثراء؟ أم هو “الزبون” الذي يشتري “وهم الكفاح” في قرطاس بطاطس، ويدفع ثمن “اللايكات” التي سيحصدها صاحب البسطة لاحقاً؟
خاتمة:
إن “بسيط” في هذا المقال ليس مجرد شخصية كرتونية، بل هو مرآة تعكس وجهنا جميعاً. فخلف دخان الزيت وضجيج الشارع، نكتشف أن البطاطس مجرد تفصيل، وأن الصراع الحقيقي يدور فوق البساط وبين البسطات: هل نحن أمام كفاح فطري (بساطة البقرة)، أم أمام قنص رقمي (خبث الذئب)؟
تبقى الإجابة معلقة في هواء الشوارع الرمضانية، بانتظار من يفرق بين “بساطة” الروح.. و”بسطة” الاستعراض.


