عُمرَانِ و عُمرُون
حين يصباح العمر حرفاً لا رقم
الشخص الذي يقطع مسافةً طويلةً ليهديك كتاباً ما؛ هو حتماً متميز وكذلك الذي يذكرك بشيء ما كان مهجوراً في دهاليز الذاكرة، اليوم وجدت ثقباً بجدار يأجوج ومأجوج، تمكن قلمي من العبور وبقيت أنا، خرجت من الأرشيف منتصراً و أنا احمل الدليل على أنني سبق وأن كتبتكِ.
سألني أحد أصدقائي: متى أخر مرةٍ كنت فيها رجلاً؟ فقلت له: لقد كنتُ رجلاً في كل المرات التي لم أكن فيها ذئباً، لا أذكر متى كانت آخر مرةٍ قمت فيها بشراء لعبة مع أنني لا زلت طفلاً بمصروف رجل، حائرٌ بين أصابعي وقلمي بين القبض والبسط وبين البسط والمقام وبين المقام والبوح، ورغم هذا اصمت ولا أنوح وأصعد إلى المنبر لأنظر إلى الأسفل بعمق.
أنتِ كالمدينة وكل مدينةٍ لها مفتاح، يسلمونه عادةً لبطل هذه المدينة، ولأنكِ بطلتي و منقذتي سأسلمك نفسي في ميدالية مفاتيح، فعندما أحكي عنكِ أشعرُ أنني كنت بطلاً طوال المدة التي عرفتكِ فيها، كنتُ ولا زلت أحلمُ بك في المناسبات في الأعياد وفي حفلات الميلاد، و أستدعيك في ذاكرتي في مثل هذهِ الأوقات.
أرأيتِ نَكبُرُ قليلاً؛ فتغرينا الاخبارُ أكثرَ من الأفلام السينمائية، ونتحدث عن السياسة بدلاً من الحب، من الغريب عندما ننصت لمثل هذا القلم أن نتألم ونحن من سدد الطعنة الأولى، لا أقصد ب “ نحن “ أنتِ بل أقصدني “ أنا “ فأنا والنساء أعتدنا أن لا نصدق بعضنا الاخر منذُ زمنِ طويل، أنا والنساء كم وقفنا حائرين بأمرك؛
لأن امرأة واحدة مثلكِ قد تحيل زير نساء الى التقاعد.
كان كل شيءٌ بالنسبةِ لي يتعلقُ بكِ؛ لذلك لم أكن متفوقاً في دراستي بقدرٍ ماكنتُ متفوقاً في حبك، يسألونني كيف هربتُ من حبكِ الكبير، كيف انتصرت على الماضي الدفين، كيف عالجت نفسي، ولا أعرف كيف أجيبهم، يسألونني كيف استطعتُ أن انساك.. أن ألغيك من حياتي وأن أشطب اسمك الذي أصبح في كل أوراقي، وحروفك التي أصبحت توقيعي، يسألونني عن أول لقاء وأول قبلة وأول قصيدة، عن مغامرتي الأولى في عالم النساء، عن المرأة التي حولتني إلى زير نساء .. عنك أنتِ
علمتني كيف أكون كل الرجال وكيف أعود مجرد رجل، كيف أترأس ومتى أترجل، كيف أفوز وانتصر ومتى أتقاعد وانهزم،
لقد أصبح عمري.. عمراً و عمرون أو عمران و عمرون ومازلت أتحدث عنكِ كالمجنون.
قد تغير الريح اتجاه السهم، وقد يغرق الرمح في البحر، و توقف الأوراق الرصاص، ولكن لا شيء يصمد امام عينيكِ؛ أنتِ الكتاب النادر الذي أنقرض منذ بدايات الزمان، ولم يعثر عليه أحدٌ ما إلى الآن، أنتِ المجلدات الصفراء التي لا يفتش عنها علماء التاريخ بقفصي الصدري.
كانت السياسة مجرد طريقة للفوز بابتسامة، والحرب خدعه؛ حين أجعلكِ تبكين من أجلي، كان صوت كرة القدم لإلهاء الجيران عن صوتي وأنا أنشد القصائد تحت نافذتك، كنت لا انهزم في الجدال، وأغني لك كل يومٍ موال، كنت ملك الاقناع كرواد الفن الذي أروض به غيرتك التي لا تطاق.؛ لهذا السبب لا أشعر بأي انجذاب نحو أي امرأة أخرى ..
أشعر أن زمن النساء انتهى بعدك أنتِ
وأن الأنوثة انقرضت من على سطح الأرض، حتى ذلك الرجل الذي تخليتي عنه من أجلي يشعر أنه بطل لأنه كان من ضمن أحداث القصة.
بدأت قصتنا بقطرة مطر، كنت أتساءل حينها: هذه السماءُ التي تمطر على من تبكي ؟ كلما ازداد المطر شدةً كلما غرقت الشوارعُ بالذكريات، فالمطر يحثك دائماً على أن لا تتجول وحيداً وأتيتِ أنتِ .. أنتِ رفيقةُ المطر وصوتُ الرعدِ ثالثنا. تحتَ المطر تولدُ الكثيرُ من الأشياءِ بدونِ رَحِم، تحتَ المطر يغردُ البشرُ برفقةِ العصافير ويصبحُ الجاهلُ في الشعرِ أستاذً في فنِ التعبير
في المطر كشفت عن ساقيها وكأنها ملكة سبأ
وارتطمت السيارات
وعبرت الشارع بسلام
واختنق بالصفارة رجل المرور
والمارة والقاعدون وقفوا لك يصفقون
في المطر وأنت قادمة
ابتدأت الحروب ولم تنتهي حتى يومنا الحاضر
وصارت أصوات الاخبار اعلى من أصوات القنابل
**
كنتِ متعددة المواهب
بجسدك المبلول
بقوامك الممشوق
بصوتك وأنت تستغيثين
كنت تحاولين اغرائي .. إغوائي
ولم تعلمي كم أنا غوغائي
***
إنني بكل بساطة
ومن قبل أن تبدأي في طقوس السحر
كنت واقعاً في حبكِ
ولو أنك درستِ قوانين السحر الأسود
لما استطعتِ أن توقعيني في هذا الحب
**
إنني محصنٌ ضد النساء
وضدكِ أنتِ بالذات
مهما حاولتِ بذاك المساء
لم تأخذي مني إلا بضعة كلمات
**
إنني أقوى قلاع الحب
ونظراتي لكِ
تشبه تماماً نظرات الحراس فوق الأبراج
لو ارتديتِ فستاناً عارياً
و سكبتِ قارورة عطرٍ كاملة
لما تحرك بيَ شيء
لو أنكِ وقعتي بجانبيِّ ومددتُ لكِ ذراعي لن تدخلي هذا الحصن أبداً
لو أنك سقيتيني من شفتيك لما خضعت
لو أنك أطعمتني ليل نهار من بساتينك
ومن ألذ ثمارك لما رضخت
لو أنك أسقيتني سماً لما مت
لو أنك وضعتي على قلبي تمائم
وألقيت عليهِ ألفَ لعنة
لما استطعت أن توقعيني في هذا الحب
لا تتعبي نفسك فخلف ضلوعي بإصبعين
يفشل أبرع علماء الأثر في استكشافك
***
هكذا كنت أقولُ لكِ؛
لكي لا تدركِ أنني أحد ضحاياكِ
ولكنكِ هزمتني مع أولِ خطوة
تآمرتِ معَ المطر
كانَ يفتتُ قسوتي
قطرةً قطرة
وصلتِ لقلبي
بمجردِ نظرة
لم أتوقع قبلكِ
أنني بريءٌ وساذج
وأنني سليمُ الفطرة
هجرتني فصرت شاعر
كنت أتدحرج بالقاع
وكان قرائي يظنون أنني
أتسلقُ سُلَمَ الشهرة
***
الآن عثرتُ عليكِ بينَ أوراقي
عدت للخلفِ لكي أهندم كلماتي
اصفُ الحروف وكأنني
أصفف شعركِ بالصدفة
وجدت آثار دموعك
وأنا أرتب السطور
مسحت الحبر
محوت السر
وأنهيت القصة.




