ما الذي يدفعك للكتابة
طقوس زرقاء
يقول لي صديقي أنه يتوجب علي أن أسافر؛ لأكتب، لتتحرك القريحة، لأستلهم بعض المشاعر من وجوه العابرين، ولا يعلم أنني لو فتحت قلمي سوف ينسكب المطر وتتغير نشرة الطقس ويرقص الجميع في حمام ماء، ويزدحم الشارع بالمظلات، يقول لي صديقي أنه يتجب علي أن أتعلم العزف، ولايدرك أن أناملي تتعامل مع السطور كما يتعامل الموسيقار مع السلم الموسيقي.
يسألني صديقي: أنتم المجانين ما الذي يدفعكم للكتابة وكأن بداخلكم بقايا سحرٍ قديم وعفاريت لغةٍ ترفض المنفى، جميعنا لا نملك الجواب، قد نكون مصابين بأحد فايروسات الشعر القديم، قد نكون قصيدةً لم تكتمل لعابر سبيل داهمه قطاع الطرق، قد نكون أي شيءٍ آخر عدانا نحن.
يسخر صديقي منا، يضحك يضع يده على فمه ويسدل رأسه للأسفل ويصعد محمر الخدين ويتنفس ببطء، ويردد بتهكم حقاً تظنون نفسكم كتاب، وأنكم تعيشون في جرنال، وأن لديكم بعضة قراء.
لا يعلم أننا نعيش داخل رؤوسنا، البعض كلما كبر كلما فقد الإحساس بالكلمات، صار يبحث عن صخبٍ آخر، بينما نحن الذين نسكن بداخلنا نحتفظ بمكتبة لا يدخلها أحد، بين رفوفها الكلمات والعطور والشروق والغروب ورائحة المطر، لايدرك أننا ولدنا كخيطِ صوف لازال يتسكع على جناحِ الوهم، تأخذه الريح للقمر، يظن أنه بساط الريح، إلى أن يهوي به الخريف في قعر الوحل، تدوسه فردة حذاءِ فيعلق بها حتى يلتصق بمقعدِ الحديقة، تأسره رائحة فتاةٍ ترتدي قبعةً من القش يسافر معها للفرن يقترب ليستنشق رائحة الخبز فيحترق.
يولد كقطعة رماد في موقد، يحتاج لمخرجِ ومنقذ، تسعفه الريح بلا نقالة، تأخذه للبقالة يتطبب بين علب العصيرحتى يصبح بقعةً تحتاج لمنديل، يمسح على جبينه عامل النظافة فيمحى حتى يسقط في سلة المهملات، يبكي بلا دموع حتى تداعبعه القطط فيضحك ويكركر ويموت مبتسماً.
تسألني لماذا نكتب، هو خيالنا الخصب، أو وجع الدهر، أو بقايا أرواحٍ تسكننا. تسألني لماذا نكتب؛ لنكمل قصةً لم نعشها كما يجب، لنصل لمنطقةٍ لا تأخذنا لها التذاكر ولم يخصص لها محطة باص، نكتب لكي نتعلم كيف نبني بضلوعنا مدرج طائرات، كيف نجعل من رئتينا مطارات، كيف ننظم بين جسور أوردتنا حقول الغابات.
نكتب لأننا بلا أجنحة، لأننا بلا زعانف، لأن الواقع زائف، نكتب بحثاً عن الاجابات عن الكمال ليتوقف تشوه المنطق، ليستمر تدفق الأشياء.
نكتب لأن صوت القلم على الورق رقصةٌ قديمة، وغيثٌ أزرق، ودفءٌ شهدت عليه جذوع نخل وكلماتٌ منحوتة بعظم ميت في قلب صخرة جوفاء.
هناك ألف سببٍ لنكتب .. هل لديكَ سببٌ واحد لنتوقف.

