أم الأغاني
حفلة ذكريات
في الزمن البعيد، كنت أقيم حواراً صبيانياً مع جاري برفقة كلبه الجديد، كان كلبه هو الوحيد المتمرس على الصيد بيننا، بينما كنا نحن نحمل لقب قناص لم يقتنص فريسته الأولى حتى في وادي الأحلام، كانت المرة الأولى التي أرى فيها سيارة تعرج؛ بسبب إحدى إطاراتها الغير متناسق مع بقية الإطارات، بينما هي كانت تشعر بخجلٍ شديد من تلك الخردة التي تسير على أربعة إطارات، توقفت السيارة أمام منزلنا وتوجهت إلى عتبة العمارة ببنطالها الليموني، كانت تنظر إلى الباب، وحاولت أن تختلس نظرةً نحونا ولكنها أطالت للحد الذي جعلها تسقط على عتبة الباب..
لم يمنع جاري نفسه من الضحك بينما أصبت أنا بجرحٍ في قلبي، لملمت نفسها كأنها في مشهدٍ سينمائي تلتقط قطع جسدها المتناثرة من على الأرض وتتجه بسرعة البرق إلى الداخل، بينما أنا كنت أتسائل ما الذي جعلها تغفل عن العتبة؟ ما الذي استوقفها لتطيل النظر، هل هو جاري! أم الكلب الذي يقف مستعداً للانقضاض على القطط ظن أنها قطةً جديدة ففزعت وسقطت وسقط معها فضولي.
كان لكل منزلٍ دكة؛ تلك المساحة التي يصنع منها سكان الحي مركازاً للجلوس، فلا يبتعدون كثيراً عن صوت أمهاتهم حين تناديهم من خلف النافذة، بينما أنا نادتني أصوات الأطفال وهم يطالبون بحضوري للقاء فتاةٍ لا أعرفها، كانت هذه القصة هي السبب الأول لتسمية حوش العمارة بملتقى العشاق، غير أنني أنا من قصصت شريط الافتتاح على مرأى من كل بنات الجيران، كنت أسير نحو الباب كفارس حرب سيتوجه الجيش رئيساً على كومةٍ من الحماقات، سألت الأطفال برفق: أين هي الفتاة، فأجابوا بلطف تلك التي تقف خلف نافذة الطابق الأرضي، اقتربت منها بشجاعة وهمست بخجل، كان صوت ارتطام أسنانها ببعضها البعض دليلاً كافياً على أنني جريمتها الأولى، كان فكيها يطبقان على الكلمات، وفمها يقف بين الصمت والكلام وبين المعركة التي تدور في سقف حلقها.
استجمعت كلماتها مثلما استجمعت جسدها المتناثر عند عتبة الباب، لتقول بشجاعة هل أنت حبيبها؟ بينما أنا كنت أصاب لأول مرة في حياتي بنوبة ضحك هستيرية لأخبئ دهشتي وانعقاد حواجبي وشلل لساني، تلك الضحكة التي تشبه الزفير لا القهقهة، لأجد أني أقول لها بغرور يطرد التهم وينفضها عن ثوبي: وهل أنتِ آخر من يعلم ؟!
وضعت ذقنها الصغير على سياج النافذة كحوريةٍ تحاول الهروب من القفص بقبلة، ومدت يدها لتصافحني، كانت المرة الأولى التي أشاهد فيها بطاقةً تعريفية بهذه الطريقة، بطاقةً تخلو من الأسماء، عنوانها سؤالً وسطورها مصافحة، كنت واقفاً وهي جالسة ولكنني كنت أفطن أنني أقف على منبر الاعتراف.
هي: أخبرني ما هو سرك؟
هو: أستطيع تحويل كل فتاة إلى ورقة !
وجدتها بعد ذلك تقدم لي رسائل وصلتها من حبيبتي، لم أكن أعلم أن لحبيبتي العديد من الألقاب أحدها (أم الأغاني) وجدتها تخبرني بكل خياناتها البلهاء التي لا تحتسب في قاموس كيد النساء على أنها ماكرة، وجدتها تحفظني عن ظهر قلب من وصف حبيبتي لي، تلك القزمة الصغيرة وصفتني ببراعة للحد الذي يجعل صديقتها تسقط في حبي على عتبة باب منزلي.
أعترف أنني انتصرت على جميع النساء بعد أن هزمتني امرأة
هل تعلمين لماذا أكره أصالة نصري؛ لأنها حين تغني (تذكر زمان كنت اهواك .. كنت الوحيد ومن قدك) اسمعها بصوتكِ أنتِ لا بصوتها، وأنسى كم مرةً غنيتِ لي (قلبي بـ يرتاح لك) و(يا مجنون مش أنا ليلى) كرهت أصالة للحد الذي لا يجعلني أصدقها وهي تقول لي (سامحتك سامحتك) وأبحث عنك كمبتدئٍ في عالم الموسيقى يستمع للمرة الأولى لأغنية (أي حاجة)، أتذكر حين كنتُ أهديك أغاني محمد عبده وطلال مداح وعبادي الجوهر وتعيدينها لي؛ لأنك لم تفهمي منها شيئاً، وأتذكر فراقنا الأول الذي حاولتِ فيه بجهدٍ وذكاء استمالتي لأغفر لكِ، حين رفعت سماعة الهاتف ووجدت عبدالكريم عبدالقادر يغني (ارجع يا كل الحب) كانت مفاجئة على كل الأصعدة أنتِ التي ولدتِ بين أغاني مصطفى قمر و عمرو دياب تهدينني أغنية تشبه ذوقي، وأنا الذي عدت بعد هذا العمر لدار الأوبر المصرية لأتعلم كيف تلتقي الحضارات، كيف تلتقي الربابة بالعود والسمسمية بالبيانو، والدفوف بالطبلة، أنا الذي وقفت والدتي أمامي حائرة وهي تشاهدني أستمع لمحمد فؤاد وهو يغني (الحب الحقيقي) وتسأل نفسها ألم يكن في حلقة تحفيظ القرآن بالمسجد !!
دعينا لا نتشعب في البومات الأغاني فهي لعبتكِ أنتِ، أما أنا فلعبتي الكلمات، صراعُ موسيقي بين المؤلف والملحن، بين الوتر والكمان، بين المطرقة والسندان، بين البيضة والحجر، بيني وبينك .. لنعد إلى أصالة لماذا هذا المقطع يقتلني لأننا متشابهان؛ خائنان وقعها في حب بعضهما البعض، ووقعها هدنةً لم يلتزم بها أحد.
أنني أدين لكِ بكل الأغاني التي سمعتها، تسألني والدتي كيف استطعت أن أقلع عن كل شيء عن النساء والسجائر عن الأفلام والمسلسلات ولم استطع تجاوز أغنية جديدة في كل مرة أدير بها المذياع، تسألني صديقتك كيف تحب هذه الخائنة الصغيرة وهي لا تعلم أننا نعرف كل شيءٍ عن بعضنا البعض، تعلمين مع من خنتك ومع من خنتني، ليس ذنبنا أننا تعلمنا الخيانة قبل الحب، والتعارف قبل الصداقة، والهيام قبل الإعجاب، ليس ذنبنا أننا تتبعنا الأغاني منذ أن ( لف شرطان الذهب) حتى نسينا كيف أننا ( من الفرحة نسيت أقلك إني عليك البارحة زعلان) تعتقد لأنها قرأت سطرين من روايتنا بوسعها أن تخرب كل شيء، أن تخطفني منك بلمسة يد وبحضنٍ وبقبلة، وتدركين تماماً أنك ستحذفينها بمكالمة هاتفية .
أتذكرين ذلك الزمن القديم حين كنا لا نمل من قراءة الرواية ألف مرة، ثم كبرنا للحد الذي يجعلنا لا نمل من مشاهدة الفيلم مائة مرة، ثم كبرنا للحد الذي يجعلنا لا نعيد مسلسلنا المفضل لأكثر من مرتين، ولم يتبقى بجعبتنا سوى الأغاني لا نمل ولا نكل من سماعها رغم التحذيرات والفتاوي، ورغم عدد الرقصات التي رقصناها على أنغامها في العالم الموازي، ورغم أنك لا تستيقظين إلا في ذكرياتي.
ليست وحدها من حاولت أن تفرق بيننا، كل اللواتي عرفنك قالوا لي أنكِ لا تستحقين رجلاً مثلي، ولكنهم كانوا يسمعون القصة من طرفها الناعم، لم يدركوا أننا ندان شرسان، أعاقبك بعشرة نساء في كل مرةٍ تبتسمين فيها لرجلٍ غيري، تحاولين استمالتي بصوت مهند محسن وهو يغني (أحبك حب جنوني) وبصوت كاظم الساهر وهو يردد (أتحبني بعد الذي كان) ورغم كل الطبقات الموسيقية تستمر الخيانة، يستمر كلانا في لعبته القذرة التي بدأتها أنتِ، فجعلتني أدمن النساء لكي أظن أن اللعبة لازالت قائمة وأنكِ في يومٍ ما سوف تأتي.
ثم أظهر كـ كاتبٍ مذنبٍ أمام جمهوري، وهم لا يعلمون شيئاً، لا يدركون أننا درسنا في روضةٍ واحدة، وبمدرسةٍ واحدة، وأننا عشنا سوياً في عدة مدن، وأن حديثنا الأول جاء متأخراً بعد عشرين فتاة وتسعة عشر رجلاً، بين كل الذين أتوا من قبلك ومن قبلي، وبين كل الذين أتوا من بعدنا، أنت التي عندما قلت عنها للمرة الأولى أنها أنثى لن يكررها القدر، سرقتها الأقلام من صفحاتي، لا يدركون أننا كنا نلتقي يومياً عدة مرات، ونتقاطع في كل الطرقات، لا يدركون حجم الصدف التي بيننا والبشر الذين عاشوا على ضفاف قصتنا، حتى حين علقوا صورنا على رأٍس المدينة، وجدنا طريقةً جديدةً للتواصل، اخترعنا شفرةً للعشاق، وخريطةً لا يفهمها سوى الأطفال.
ربما لهذا لا أتألم حين تخونني امرأة ما، لكنني قد أقع في الحب ولكنني لم أعد أهزم، لقد حقنتني بالكثير من المضادات ضد خيبات النساء، علمتني أشياء لم يجرؤ الغرب على كتابتها في قانون الإناث، وأدخلتني من أبواب لم يسمع عنها ملوك الجان، كنتِ طوق نجاتي الأول،
كلما انتهت قصةُ ما، أجدُ وجهكِ بالمرآة
لقد بحث عن هذه الورقة في الأرشيف، أتذكر أنني كتبتها ونقحتها (أم الأغاني التي جعلتني أعاني) وعندما فشلت في العثور عليها في حقيبتي، قلت لنفسي لما لا أكتبها من جديد، تأتين كأغنيات عبدالمجيد حين يقول: (ياطيب القلب وينك)، ليس بوسعي أن أذكر كل الأغاني التي سمعناها سوياً، لقد ماتوا ولم تمت أغانيهم، وكأنها وصيةٌ لكي تبقين خالدةً في قلبي، أتذكرين حين اعتذرت لك في الصحف، حين دخلت كل صديقاتك صفحتي، حين عاد الجميع ليلة هروبك الكبير، حين خفتي أن تصل أخبارك للسيد الجديد، حين ظننتِ أنني لازلت ذلك الطفل الذي يقف أمام علبة البريد، سأخبرك سراً كان بإمكاني أن أعود بأغنية فأنا أحفظ الطريق، ولكنني رأيتُ ذلك الحلم الذي استطال فيه أنفك ليخبرني كم صرتِ مغرورة، ولكي أحبك مجدداً علي أن أنسى تلك المنقوشة المحفورة، علي أن أنسى الطفلة التي عرفتها قبل أن تكبري، ولهذا أنا مثلك تماماً أرفضك بشدة، مثلما لا تقبلين بهذا الناضج الذي يكتب لك الآن وتبحثين عن نسخته المجنونة التي ضاعت في زحام الأيام.
يضحكني الجميع حين يقولون عني هادئ، هل تمسكين بالقلم قليلاً وتتحدثين بالنيابة عني ..





