مستشفى النساء والولادة
بين الأرشيف وغرفة الولادة
دائماً ما أقف في المنتصف حائراً بين كتابة نصٍ جديد، وبين التفتيش في أرشيفي عن سطورٍ تليق بمقام القارئ، وكأنني في مستشفى النساء والولادة، لا أعرف أطفالي ولا أعلم كم بلغ عددهم، لا أحفظ بنات أفكاري، ولا أتذكر أسمائهم، يمر بجواري اللصوص، أولئك الذين خطفوا أولادي .. أقصد كلماتي، وأشعر أن هناك شيئاً ما، وكأنني رأيت هذا الطفل من قبل، وكأنني رأيت هذا النص من قبل، ولكن الهرب يسبق القدر بخطوة.
كل الأطفال يبكون أولاً، إنها مقدمة ضرورية لسرقة النفس الأول من الحياة، وقطع حبل النجاة من سرته وبقية أسراره، حتى السطور تقف كشوكة في الحلق قبل أن تنسال على السطور، حتى أنتِ اليوم ترتدين معطفك الأبيض بدون بدلة خضراء، وكان السحاب قرر أن يهجر الغابات أخيراً، ويتركها بدون ظلٍ وندى.
ترتدين الأزرق السماوي لتبرهني أن السماء أيضاً بحاجةٍ لحضنٍ يخبئها
وانا الحائر في طلتك الجديدة أحتاج لمصمم أزياء ليفسر لي لما عالم الطب يتخبط في اختيار الوانه ويتأرجح بين الأخضر والأزرق والأصفر ويخبئها تحت معطفه الأبيض، من الفنان الذي أجاز لهذه اللوحة بأن تخرج من معرض الأدوات الطبية، من الرسام الذي كتب فلسفته على هذا الرداء لكي يصبح كل رداءٍ آخر رديئاً؟
هناك طفلٌ يصرخ في غرفة الولادة، أقصد في رأسي، فكرةٌ جديدة تلمع كلما مررتي من أمامي، أتسابق مع عقارب الزمن، هل بوسعي كتابتها قبل أن يحين موعد بصمتي، أخطئت في تقدير الوقت كمتسابقٍ أَضاع الطريق، كزائرٍ وجد نفسه في ممرٍ لا يليق به المرور منه، في إحدى عنابر المستشفى.
ترى من منا يحتاج لجهاز إنعاش، لتخطيط قلب، لقرصة أو شرارة، لو تعلمين كم تحاشيت المقهى لكي لا تلتقي عينيك بعيناي، غيرت مواعيدي ألف مره، لكي لا أضطر للكتابة عنكِ، فهل صرتِ تنامين هنا، كلما فتحت الباب وجدتكِ أمامي، ولا أعلم هل أنا أختنق لأن الرحم امتلئ بالماء، أم أنني تنفست أخيراً لأنهم قطعوا حبل أسراري؟
ليس بوسعي البكاء كالأطفال حديثي الولادة، ولكنني أولد مجدداً في كل مرةٍ أشاهدك فيها، يستيقظ الحبر بداخلي كماردٍ قديم حبسه سليمان في قمقم، ترقص أصابعي على لوحة الكيبورد كأنها تعزف على بيانو قديم لا يصدر صوتاً سوى في قلبي، تقفين لتغيرين مقعدك، ووحدي من يفهم الرسالة، وكأنك كرت فرصة في لعبة أونو، تمنحينني وقتاً أضافي لا يوجد في قوانين الفيفا، تعترض فرق كرة القدم، يستقيل الحكم، تترك الصفارة والأعلام في الملعب، ويرفض الجمهور المغادرة.
كطفلٍ مصابٍ بالصفراوية، أحاول الخروج لإشعال سيجارة وأجد الجميع يتزاحم على الظل فأتصالح مع اللهب، أعيد منظرك في مخيلتي وأنت تقفين ببطء وأحاول تذكر اسمك المكتوب على بطاقتك الطبية وأفشل بجدارة، ألم تكن عيناي كالصقر، تصطاد الفرائس من السماء السابعة، ألم أكن قناصاً فيما مضى، أم أنني كنت حائراً بين النظر لوجهك المشرق وبين النظر لبطاقتك الشخصية أو قراءة شفتيك حين قلت wow بدون صوت، ترى ما الذي شاهدته بي لتقوليها، دعيني أكمل الجملة .. “واو أنت هنا”.. لا لا ربما كانت .. “واو أخيراً عدت” أو لعلها كانت “واو أنت ترتدي ثوب وغترة” على كل حال لقد اصطدت كلمة واو ولا شأن لي بالنوايا.
ولكن ما المميز بي لتقوليها، أنا منذ أعرفني لم أتصالح مع المرآة يوماً، مالذي تشاهدينه حقاً، لو أنني أستطيع استعارة عيناكِ قليلاً لأراني فيهما لكنت كاتباً بمحرك تيربو، يقاطعني أحدهم بينما أنا أحاول أن أتمسك بكِ كطفلٍ وضعوه لأول مرةٍ بين ذراعي والدته بدون عمليةٍ قيصرية، يستنشق رائحتها يسمع صوتها يهدئ بعد سبعة ظلمات، ولكن عبثاً أحدهم يناديني وأنا أخرج كيوسف من غياهب الجب حين التقطه بعض السيارة، أعود للواقع بكل بطء أنظر للسماء والسحب اللتي ترتديها، يتحدث معي بينما أنا تحولت لجهاز سونار يلتقط نبض قلبك كمن يلتقط النبضات الأولى لامرأة تحمل جنينها بشهره الرابع.
أربعة:
لما عساني قلت أربعة، هذا الرقم الذي أتحاشاه وأتحاشى الرقم الذي قبله، ربما لأنك صالحة لأن تكوني قصة حبي الرابعة، لأحمقٍ وقع في الحب وهو طفل وهو مراهق وهو ناضج، والآن لا يجد اسماً يطلقه على هذه المرحلة، لما أكره الرقم ثلاثة؛ ربما لأن الثالثة ثابته.
ولما أنا خائفٌ مثل كاظم الساهر حين غنى (لكن أخاف التورط فيكِ .. التعلق فيك.. التوحد فيكِ،، لقد علمتني التجارب أ، أتجنب عشق النساء وموج البحار) ثم يجدني صديقي أضحك بلا سبب، ربما لأنني تذكرت الممثل عادل إمام وهو يقول لميرفت أمين (مصر كلها قبضت.. ما فضلش إلا أنتِ) في فيلم مرجان أحمد مرجان، ولكن مع عكس الأدوار، فأنتِ من تقولين لي: (لم يبقى شابٌ أو طفلٌ أو كهلٌ هنا لم يحدثني .. متى سوف تنطق) فعلاً متى سوف يحين دوري ؟
أتعلمين لماذا لا آتي؟! لأنني إن اقتربت لن أرحل؛ فأنا لستُ من النوع الذي يأتي ليغادر
أينِ كنتِ
حينَ كنتُ مثلكِ ابن عشرين عام
حين كنتُ أحمقَ هذا الزمان
لا أبالي باسمي وعمري وشكلي
ولا أتوقف لأرى وجهي بالمرآة
أينِ كنتِ
حينَ كنتُ هتلر النساء
وسيد المساء
حين كانت لي
آلاف الأسماء
أينِ كنتِ
حين هزمت هرقل
وعنترة بن شداد
حين كان اسمي
منقوشاً على كل الأطلال
حين كانت تحكي الجدات عني
قصصاً للأطفال
أينَ كنتِ
من الذي تأخر
حلمي تبخر
هل بقيت معي مشاعر
هل لازلت شاعر
أحمل صورتك معي
في كل شارع
أينِ كنتِ
حين غازلت أجمل ممرضةً
في مشفى النساء
حين اربكت غرفة التقارير
حين حولتُ المرضى لجماهير
حين صفق لي حراس الأمن
بدلاً من أن يقبضوا علي
أينِ كنتِ
كنتِ طفلةً لم تأتي بعد
كنتِ مخبئةً في قدري
كأجملِ وعد
وأنا يا أنتِ
يا وجه السعد
لازلت متردداً بين أن أكتبكِ
أو أن لا أخبرَ عنكِ أحد



