غفوة داخل المصعد
إلى متى وأنا لست أنا
إنها قصة كل يوم، تستيقظ ببطء شديد، وكأن عينيك بوابة مصعدٍ مغلق انقطع عنه التيار الكهربائي وحضرت فرقة الإطفاء لإنقاذ أحد العالقين في أحلامهم، بوابة المصعد هي جفنيك، المنقذ هو منبه بهاتفك -الموصول بالشاحن-، انفتح باب المصعد، أخيراً عدت للطابق الأرضي، وصلت تواً من السماء، لكنك لا تريد المغادرة.
قبل سنوات وفي يومك الوظيفي الأول، سمعت صوتك الداخلي وهو ينطق لأول مرة، لم يقل الكثير من الكلمات، لم تكن أغنية لكنها كانت مزعجة لحد أنك لا تستطيع نسيانها، تلك الكلمات التي بدأت ترددها كالببغاء: (ما الذي أفعله هنا، هذا ليس أنا، هذا ليس حلمي، هذا ليس مكاني) ثم يظهر لك وجه الممثل المصري (أحمد حلمي) في أحد أعماله الفنية وهو يقرأ أحد كتب التنمية البشرية في تطوير الذات بصوت عالي ويردد (حب ما تفعل حتى تفعل ما تحب).
عشرون سنة مرت، وأنت تكره ما تفعل ولكنك تمارسه بكل حب، ولم يتغير شيء، تستلم علاوتك السنوية بكل حب، والعديد من شهادات الشكر والتقدير والثناء، ولكنك لا تشعر بالرضا، تسرح كثيراً بين الممرات، تتخيل طلابك جماهير، ولا تعلم لماذا بدأت حياتك تشبه التيار الكهربائي في حصة الفيزياء.
حاولت بكل جهد، أن تجمع بين هواياتك و وظيفتك، بين عملك وأحلامك، بين راتبك وآمالك، ولكن فشلك كان ذريع، تشعر بأن أنفاسك تضيق مع كل مرة تسمع فيها صوت الجرس الفاصل بين الحصص، تشعر أنك سجين الوقت، ويتوجب عليك أن تستيقظ مبكراً وتنام مبكراً وتظل واقفاً نصف اليوم، ومحبوساً في نصفه الآخر.
لا ينقذك سوى زملاء المهنة، كشركاء في سجنٍ كبير، كل شخصٍ يهون على الآخر، أحدهم يطلق نكتة، والآخر يعرض فرصة، والأخير يتحدث عن النساء لينقذ الرمق الأخير من زفير أحدهم، ثم تكتشف أن الجميع أصبح خبيراً نفسياً ومحللاً اقتصادياً ومسوقاً عقارياً بما فيهم أنت.
ياه كم ذكرتني هذه الكلمات بمقال سابق كتبته تحت عنوان (سبع صنايع والبخت واليخت كلاهما ضائع)، وتذكرت مباشرةً قصة أحد الزملاء في المجال التعليمي، ذلك الذي كلما وقعت عيني بعينه استرجع الحكمة التي تقول (من يرى مصيبة غيره تهون عليه مصائبه)، إنني أردد هذه الجملة في وجه صديقي المتصالح مع نفسه وحياته أكثر مني بمراحل، أقولها وأنا عابس الوجه في حين أنه ابتسامته لم تفارق وجهه في يوم.
أغلب المعلمون والمعلمات ينقسمون لنصفين حين يتعلق الموضوع بالتحدث عن هذه المهنة، فهناك من يتحدث عن الأجر والأجرة، وهناك من يتحدث عن الإجازات السنوية وهناك من يتحدث عما أتحدث عنه، وقس على سبيل المثال صديقي المبتسم، التحق بالدراسة في سن مبكرة ودرس المرحلة الابتدائية كلها في مبنى واحد، كان من حسن حظه أن المبنى افتتح قسماً للمرحلة المتوسطة؛ فلم يكن بحاجة لنقل ملفه المدرسي لمدرسة أخرى، وتكرر الأمر بالمرحلة الثانوية، وبحسبة بسيطة عاش صديقنا 12 سنة على مقاعد الدراسة قبل أن ينضم للمرحلة الجامعية.
كانت المفاجئة الكبرى أنه عين معلماً بنفس المدرسة بعد مرور أربعة سنوات، شعر بسعادة لا مثيل لها وانشرح قلبه، فهو يحفظ المبنى مثل اسمه، ولديه ذكريات في كل متر مربع، ظل صديقنا يعمل بهذا المبنى إلى أن تحول لإحدى مكاتب التعليم واستمر بعمله هناك حتى تقاعد.
كنت أخبره أنه سجين، ولكنه لم يصدق، كنت أدفعه للطيران خارج القفص، لكنه تآلف مع القضبان الذهبية واستغنى عن جناحيه، كنت أردد له المقولة التي كنا نقولها دائماً (ألا يكفي أننا جلسنا اثني عشر سنة على مقاعد الدراسة لنكمل بقية عمرنا بالفصل الدراسي ونحن واقفين، أمام السبورة وخلفها، حول الجرس والأقلام الحمراء) كان يجيب علي بابتسامة بلهاء ويضحك (وماذا عساك أن تفعل .. إن ما طاعك الزمن طيعه).
كل هذا مر في بالي وأنا أضغط على زر الغفوة مرةً تلو الأخرى، أتساءل وحدي هل أنا بالمكان المناسب، هل كانت اختياراتي صحيحة، هل سوف أقضي بقية عمري بين المباني المدرسية وفصول الطلاب وكشوف الدرجات، حمداً لله أنني أمتلك قلم أنفس فيه عن نفسي، حمداً لله أنني امتلك هوايات أخرى تجعلني أنسى نفسي، حمداً لله أنني تعلمت كيف أحب نفسي خارج هذا المكان.
وضعت يدي اليمنى على رقبتي من الخلف، و اليسرى على شعري، وشددتهما إلى الأعلى، ثم ركلت نفسي باتجاه دورة المياه وأخذت حماماً بارداً لكي أشعر ببعض النشاط أو الانتعاش، وشعرت وكأنني مومياء تقود سيارتها نحو الشوارع في المسلسل الشهير The Walking Dead
إنني أقوم بتضحية لا يفهمها أحد، أضحي شهرياً بجزءٍ من راتبي أنفقه في استثمار راحتي النفسية بالغياب والتأخير، كلما شعرت أن ما أقوم به بلا معنى، تضحية يحاسبني عليها أبناءي حين أخبرهم أن راتبي الشهري لم يكن كاملاً هذا الشهر، مثل تضحيتي بعدم التقاعد المبكر بسبب القروض الشخصية والعقارية وغيرها.
الساعة تشير الآن إلى الثانية ظهراً، لدي العديد من المواعيد في المشفى ابتداءً من ارتفاع السكر والضغط اللذان أصابتني بهم بيئة العمل وانتهاءً بالعظام والفقرات والغضاريف، لعلك تسألني لما لا تملك تأميناً صحياً؟ حسناً إنها النكتة المناسبة لإنهاء هذا اليوم .. لم تستطع شركة التأمين أن تستمر معنا عاماً واحداً، ربما لأنه لا أحد يتمتع بصحة سليمة بهذا المجال، الكل مرضى، إن لم يكن مرضاً عضوياً .. سيكون نفسياً؛ وهذا من شأنه أن يسبب خسائر فادحة للقطاع الخاص.
حمداً لله على نعمة المستشفيات الحكومية، تقوم الحكومات بالعديد من الأعمال المجانية لخدمة شعبها التعليم والصحة وغيرهم الكثير، بينما ينسحب القطاع الخاص ويتملص من دوره الاجتماعي بأن يقدم حياة كريمة وجيدة لأشخاص عاشوا وماتوا بيننا.
في اليابان يمتعض الجميع من ارتفاع رواتب المعلمين، ودائماً يكون الرد (لا نستطيع مساواتكم بمن علموكم) ولدينا يمتعض المعلمين من ارتفاع رواتب الجميع مقارنةً بهم رغم أننا نردد (من علمني حرفاً كنت له عبداً) ..
غداً سيوقظني المنبه مجدداً .. وسوف أطفئه لكنه سيظل يرن بداخلي

