الحاسة السادسة
اللعب بالنار
حين كنت صغيراً أدركت أن بعض الخوارق الماورائية قد تمنح لبعض الأشخاص مبكراً، لايشترط أن ترتقي في المراحل العمرية لمناصب الأبوة حتى تمتكلها، ربما أسئت استخدامها بفترةِ ما، ولكن كانت تلك ضريبة التجربة، ربما وظفتها لصالح الأدوات المكتبية بكل أنانية؛ لكي لا تستمر مغامراتي الخيالية في عالم الواقع.
كان الشيطان ماكراً للحد الذي جعل الأمر يتمحور حول الاعجاب والحب، ومن أجل ذلك أصبح قراءة النظرة مجرد انطباع وليس رأياً نابعاً من دراسةٍ وخبرة، كل مقدمات البرمجة اللغوية العصبية كانت تتحدث عن تلك النظرة التي تجبرك على أن تلتفت نحو صاحبها لتدخله في دهشة وحيرة وهو يتمتم بداخل نفسه كيف اكتشفته من هذه المسافة.
يقول صديقي الذي لايفقه شيئاً في الماورائيات أن كل هذه الملابس والزينة والحركات الاستعراضية من أجل البحث عن رجل، ولا يدرك أنه حتى ولو كان ذلك صحيحاً فحتماً ليس هو الشخص المنشود، حاولت مراراً أن أخبره ذلك بلطف ولكن لا فائدة، ظل يقف أمامك في كل زاوية ظناً أنه سيصبح حكايتك الخالدة.
لا يأبه بعدد الأشخاص الذين يركضون خلفك، لا يكترث بالنظرات التي ترسلينها وتعود لك كالحمام الزاجل محملةً بالايماءات والرسائل، لا يهتم بذلك الذي يدخل رأسه من نافذة سيارتك لكي يشرح لك رموز السيارات التي حفظتيها ثلاثة مرات وأنت تجتازين اختبار رخصة السير.
تعاملينه باحترام فيقع في الغرام
لا تخبره حاسته السادسة أنك تشفقين عليه، تبتسمين لكي لا يعود مكسور الخاطر، تعاملينه باحترام فيقع في الغرام، ولا ينفع بعد هذا الكلام، يقف في كل مرةٍ تذهبين فيها لدورة المياه؛ يظن أنها إشارة، يتبعك وأنت مارة، يتبسم إذا ما ابتسمتِ، يقف أمامكِ، يجلس من بعدكِ يظن أنك في حبه وقعتِ.
تنظرين لي ولبقية الأصدقاء، تقيسين المسافات، تفصلين الابتسامات، كلنا لا نحاول اللحاق بكِ؛ ليس لأنكِ مجردُ احتمال، ليس لأنكِ عادية الجمال، ليس لأنك تتحدثين مع هذا وذاك، كلنا لا نقتربُ منكِ لكي لا يموت صديقنا في سكات.
أيتها المحتالة المتاحة، تستخدمينه كـ طعم ولا يعلم أنه سيجلب لك حوتاً، لا يعلم أنه عالقٌ بطرف السنارة، تستخدمينه كسببٍ يشجع الجميع على الاقتراب منكِ
ماذا لو أخبرته عن وجوهكِ الأخرى، حين تختبئين في دورة المياه إلى أن توافق صديقتكِ على منظرك، حين تنظرين بالمرآة التي بحقيبتكِ قبل أن تنظري نحوي، حين تتخلين عن عبائتك لتسقط سهواً فتتعمد الفرص الظهور.
يعود صديقي ليجلس بجانبي بعد هذا المشهد المؤلم، يقول أن صدرك المفتوح دعوةً لا تاريخ انتهاء لها، وأن بطنك المكشوف تصريحٌ بأن لا تخمةً تعيش هنا، لا حبوب حملٍ التهمت، ولا الأطفال من هنا ولدت، ولا الأفواه من حليبكِ رضعت، وأن خطواتكِ المثالية إعلانٌ غير مدفوع عن بحثك المستمر لفارس الأحلام، وأن كل هذه الوجوه والأفواه لازالت مجرد احتمال.
هل أخبره عن حاستي السادسه، أنه مجرد دودةٍ زائدة، أنك تستخدمينه للوصول لي، ولمن بعدي ولمن حولي، وأننا جميعنا قطع خرزِ في سلسلة احتمالاتك الطويلة، تتسائلين متى سيحين دوري، متى منكِ سوف أتقدم، وهل لأجلك أحضر إلى هنا وأتهندم،
تتسائلين كيف أكون أبكم وعيناي تتكلم !!
أنظر لفتاةٍ قادمة فتنظرين معي، ألوح لأحدهم فيستدير كلكِ معي، أضحك لأصدقائي فأجدكِ أول من تسمعي، تجلس احداهن بجانبي لتسألني فأجدكِ بلا وعي تنظرين شرزاً وتقولي هذا ملعبي، لا تعتبي ولا تلعني، أنا لم أقترب أكثر لكي لا ألقى مصرعي..
دعينا نعود لحاستي السادسة، كنت أشعر بالمطر قبل الأرصاد الجوية، واستعشر الخطر قبل الكوارث الأرضية، ولم أعلم لما أقيس الأنوثة بنفس الطريقة، لماذا أنتظر النهاية تأتي أولاً؛ ربما لكي لا أخوض كل القصص، ربما لكي لا تتشابه العناوين ولا تتوحد التلاوين ولا أعيش نصف عمري المتبقي بمستشفى المجانين.
لما كل حواسي لا تعمل ولا تنجذب إلا للنساء القويات، أولئك اللواتي يريدون وضع قبلةٍ حمراء في شهادة وفاتي ؟!
لما يتوجب علينا أن ننتصر أولاً ؟!


