طالت اللعبة
مسرحية صغيرة
أنتِ المتابعة الأولى لي، أو الجاسوسة الأولى. تجلسين أمامي الآن وكأنك بريئة، تتناقض الأفكار في عينيكِ، تدعين أنكِ مشغولةٌ جداً، وأن هاتفك عن الاهتزاز لا يتوقف، وأنك لست تلك السيدة التي وضعت منديلاً على سيارتي، وادعت أنها تريد شراء لوحتي المميزة، تتساءلين لما يبتسم هذا الأحمق؟
تتابعينني بحسابات أخرى، من هناك مرة ومن هنا مرة، وتتساءلين إذا ما كنت قد كشفت أمرك حقاً، ثم تتخطين الفكرة وتظنين أنني منهمكٌ في الكتابةِ عنكِ، تضعين قدماً فوق الأخرى، توبخين نفسك لأنك لم تذهبي لصالون عناية لتصبغيه بالأشقر كما تفعلين دائماً، تخبئينه تحت الغطاء، وتعودين للوراء، لكي تزيدك أشعة الشمس جمالاً، كل هذه الحيل التي تروقني ينقصها أن أرسل لك من هاتفي أنني أعلم أنكِ أنتِ
بذلك اليوم لم يكن هناك أحدٌ غيرنا، كأننا ملاك المقهى، غير أننا وقفنا أمام الباب بلا مفتاح، تأخرتِ عني ببضعة خطوات كانت كافية لتضعي خطةً محكمة، تخرجينَ منديلاً يحمل اسم المقهى، ويجيب على أسئلة المحقق كونان أنك تأتين دوماً إلى هنا، تكتبين عرضاً بلا أرقام، عرضاً من سطرين فقط
اللوحة للبيع، تواصل معي للضرورة
أمسكت المنديل وأنا أتسائل، متى كانت آخر مرةٍ استلمت فيها منديلاً، ابتسمت لأن الكلمات كتبت بقلم لا بأحمرِ الشفتين، وفطنت أن للنساء فصول مكرٍ جديدة لا تحتاج الواناً، ابتسمت وأنا اعرف التهمة على أنها براءة؛ لأنني تذكرت كل اللواتي فعلن ذلك من قبلك، لم تكن نواياهم حسنة على الاطلاق، لم يكن المكان مهذباً كهذا المقهى، لم يسبق لي أن استلمت منديلاً في وضح النهار، كلها كانت ليلية كالملاهي، مسائية كوجهي حين طلبت من النادل أن يريني شكلك في الكاميرا.
كنتِ تقفين بجوار سيارتي مستنكرة، كيف لهذا المارد أن يدخل بهذا الخاتم، كنتُ في أبهى صورة، بينما كنتِ تعضين شفتيكِ قهراً أنك لستِ بأفضل حالاتك، لم يكن يخطر على بالك بعدما اتصلتُ بكِ أنني كاتب، كنتِ تراقبين بصمتِ وكأنك دولةٌ معادية تتربص بي، تدرسني ، تفهمني ، تحلل خطواتي وأنا أمشي وكلماتي وأنا اكتب، لم تقدمي عرضاً للشراء كما ادعيتِ
ربما .. لأنكِ وصلتِ
حسناً وبما أنك سوف تأتين بشكلٍ أو بآخر إلى هذه الصفحة بيومٍ من الأيام، وستبحثين بين السطور عن النسخة التي شاهدتها حينَ قمتِ بـ دور الآنسة ماربيل في روايات أجاثا كريستي، وأنتِِ تقفينِ بجوار سيارتي، وحين قمتِ بـ دور ابنة شارلوك هولمز وأنتِ تجلسين أمامي وكأنك سيدة أعمال لا تملك من الزمن سوى هذه الساعة لتهرب من عجلة التنمية التي ساهمت في نشر حسابي الشخصي لمجموعة صغيرة بين صديقاتك؛ كان يتحتم علي أن أخلد هذا النص في ذاكرة الورق
تأتينَ للمقهى كشجرة خريف لا تتساقط أوراقها مهما عصفت بها الريح، لا ينال الزمن من أغصانها، لا تقتلعها السنوات من جذورها، تأتينَ كتربةٍ نادرة حيرت علماء الأهرامات، لا تحتاجينَ لمجهرٍ كي أشاهد كيفَ كنتِ زهرة البستان، ولا لاختبارٍ جيني لأعرف من أي الأعراق أنتِ، حمضك النووي كشف عن نفسه بمجرد أن انحنت أشعة الشمس عنكِ من تلقاء نفسها
إنكِ ظلِ الأرضِ الأول، ذلك الذي أنبت نفسه بنفسه، اختار حجراً بدلاً غيمة، ليثقب الحظ، وأول أسورةٍ عثروا عليها في مناجم الذهب وتقاتلت عليها كل مومياءٍ عرفها فرعون، ربما لستِ دولةً معاديةً كما ظننت، ربما أنتِ مجردُ منطقةٍ محظورة، وكحيلةٍ استخباراتية أخيرة تركتِ عطركِ عالقاً في الهواء كأنه شفرة مورس التي لم أفك رموزها بعد. حين قمتِ عن مقعدكِ، لم يكن رحيلاً، كان انسحاباً تكتيكياً لكي تمنحيني فرصة تأمل الفراغ الذي خلفتِه خلفكِ وعدت لتبرهني بعد أقل من برهة؛ لتبرهني لي أن قدومك لا يستهانُ بهِ أيضاً.
تظنين أنكِ نجوتِ؟ الحقيقة أنكِ تركتِ لي أكثر من منديل.. تركتِ لي فكرة لا تشيخ، ومسودة لن تكتمل إلا بلقاءٍ آخر، لا يدعي فيه أحدنا أنه سيشتري لوحة، أو سيبيع سيارة. سأجلس هناك، في ذات الزاوية، وسأضع المنديل أمامي كخريطة كنز قديم لا يعرف عنها سيلفر شيئاً، أنتظر وصولكِ مرة أخرى.. لا بصفتكِ جاسوسة، بل بصفتكِ اللوحة التي لم أجرؤ على عرضها للبيع .


